تقوم الإجراءات الجزائية في العراق على قاضي التحقيق. فخلافاً للأنظمة التي يوجّه فيها الادعاء العام التحقيق، يُعرض الأمر الجزائي في العراق على محكمة التحقيق، وقاضي التحقيق هو صاحب الصلاحية في إصدار أوامر القبض والاستقدام، وتوجيه التحقيق، وتقرير ما إذا كانت القضية تمضي إلى المحاكمة.

وإدراك هذا البناء مهم سواء كنت مشتكياً أو متهماً، لأن مرحلة التحقيق هي التي تُحسم فيها عملياً معظم القضايا الجزائية في العراق.

كيف تبدأ القضية الجزائية

تتحرك الدعوى الجزائية إما بمبادرة السلطات إزاء جريمة بلغها خبرها، وإما بشكوى من المتضرر أو من يمثله.

وعملياً تُقدَّم الشكوى في الغالب لدى مركز الشرطة حيث تُدوَّن الأقوال، ثم يُحال المشتكي وأقواله المدونة إلى محكمة التحقيق المختصة. ومن تلك اللحظة يصبح الأمر تحت إشراف قضائي.

وثمة جرائم لا تُحرَّك الدعوى فيها إلا بشكوى المتضرر، وفي هذا الصنف يكون لموقف المشتكي وزن خاص، بما في ذلك ما يتعلق بالتنازل. ومعرفة ما إذا كانت قضيتك من هذا الصنف من أول ما ينبغي تحديده.

مرحلة التحقيق

يتولى قاضي التحقيق، يعاونه المحققون القضائيون، جمع الأدلة وتمحيصها. فتُؤخذ أقوال المشتكي والشهود والمتهم، وتُجمع الأدلة المادية والمستندات وتقارير الخبرة عند الاقتضاء. ولا يملك إصدار الأوامر التي يستلزمها التحقيق — ومنها أوامر الاستقدام والقبض — سوى قاضي التحقيق.

وهذه المرحلة ليست إجراءً شكلياً سابقاً للمحاكمة، بل هي المرحلة التي يُبنى فيها الملف، وهي تصوغ إلى حد بعيد كل ما يأتي بعدها. فالدليل الذي لا يُثار هنا يصعب كثيراً تقديمه لاحقاً، والأقوال التي تُدلى هنا تلازم القضية في مراحلها كلها.

وفي ختامها يقرر قاضي التحقيق مآل الأمر: إما إحالة الملف إلى المحكمة الجزائية المختصة للمحاكمة، وإما غلق الدعوى أو الإفراج لعدم كفاية الأدلة.

وعلى كل من يُدلي بأقواله أمام محكمة التحقيق، بأي صفة كان، أن يستشير قبل ذلك. فالأقوال التي تُدلى من دون إدراك لمآلاتها يصعب جداً الرجوع عنها.

القبض والتوقيف

يمنع القانون العراقي القبض على الشخص أو توقيفه إلا بأمر من قاضٍ أو محكمة مختصة، أو في الأحوال التي يجيزها قانون أصول المحاكمات الجزائية.

ويجب عرض من يُقبض عليه على قاضي التحقيق من دون إبطاء — ويصوغ الدستور وقانون أصول المحاكمات الجزائية ذلك بمدة تُحسب بالساعات لا بالأيام — بحيث يوضع التوقيف تحت الرقابة القضائية في أبكر مرحلة ممكنة بدل أن يُترك بيد الجهة القابضة.

وإذا أُوقف أحد أفراد الأسرة، فالأولويات العملية الفورية هي تحديد محكمة التحقيق التي يوجد الملف أمامها، وضمان عرض الموقوف على القاضي، وتأمين التمثيل القانوني قبل أخذ أي أقوال.

حقوق المتهم

يكفل الدستور العراقي وقانون أصول المحاكمات الجزائية للمتهم افتراض البراءة حتى تثبت إدانته، وألا يُحرم من حريته إلا بقرار من جهة قضائية مختصة، وحق الدفاع في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة، والحق في محاكمة عادلة، والحماية من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية.

وحق الدفاع "في جميع المراحل" هو أكثر ما يُغفل. فهو ثابت أثناء التحقيق لا في المحاكمة وحدها، والتحقيق هو بالضبط الموضع الذي يؤتي فيه التمثيل القانوني أعظم أثره.

إذا كنت أنت المشتكي

استعد قبل أن تشتكي. فالشكوى المسنودة بمستندات أو سجلات أو رسائل أو تقارير طبية أو شهود معينين تمنح قاضي التحقيق ما يعمل عليه، أما الشكوى القائمة على مجرد الادعاء فكثيراً ما تنتهي لعدم كفاية الأدلة.

وحيث سبّبت الجريمة ضرراً لك، فانظر في الشق المدني مبكراً، لأن التعويض عن الضرر الناشئ عن الفعل الجرمي مطالبة متميزة، وسير الدعوى الجزائية قد يؤثر فيها.

إخلاء السبيل بالكفالة

التوقيف ليس قدراً محتوماً في كل قضية. فقانون أصول المحاكمات الجزائية يتيح إخلاء سبيل المتهم بكفالة في الأحوال التي يجيزها، ويعود تقدير ذلك إلى قاضي التحقيق أو المحكمة المختصة.

وينظر القضاء في مثل هذا الطلب إلى اعتبارات منها جسامة الفعل المنسوب، ووزن الأدلة المتوافرة، واحتمال تأثير المتهم في سير التحقيق أو في الشهود، ومدى ضمان حضوره الجلسات.

ويُقدَّم الطلب مسنداً ومسبباً، مرفقاً بكفيل مقتدر ومستندات تدعمه. وتقديمه في وقته المناسب مهم، إذ إن طلباً معداً إعداداً جيداً في مرحلة مبكرة أجدى من طلبات متكررة مرتجلة.

وينبغي التنبه إلى أن إخلاء السبيل لا يعني انتهاء القضية، فالتحقيق يستمر ويبقى على المتهم الالتزام بمقتضيات الكفالة والحضور متى طُلب، وإخلاله بذلك يعرّضه لإعادة التوقيف.

أسئلة متكررة

هل أستطيع التنازل عن الشكوى؟ في الجرائم التي لا تُحرَّك الدعوى فيها إلا بشكوى، يكون للتنازل أثر حقيقي. أما في غيرها فالأمر لا يبقى بيد المشتكي بعد أن يبدأ. فتثبّت من الوصف قبل أن تفترض أياً من الأمرين.

هل أجيب على الأسئلة من دون محامٍ؟ لك حق الدفاع أثناء التحقيق. والأقوال المأخوذة في هذه المرحلة تمتد آثارها إلى القضية كلها، فاستشر أولاً.

ماذا لو استُدعيت بصفة شاهد؟ يجب الامتثال لتبليغ محكمة التحقيق، لكن استشر قبل الحضور، فالحد بين الشاهد والمشتبه به ليس دائماً حيث تظنه.

هل تُعاد قضية غُلقت لعدم كفاية الأدلة؟ بحسب الأساس الذي انتهت عليه، قد يمكن إعادة النظر فيها إذا ظهرت أدلة جديدة ذات شأن.

الخلاصة العملية

مرحلة التحقيق هي التي تحسم معظم القضايا الجزائية في العراق. فأمّن التمثيل القانوني قبل الإدلاء بأي أقوال، مشتكياً كنت أم مجيباً. وابنِ ملف الأدلة مبكراً. وإذا أُوقف شخص، فتحرك فوراً لتحديد موقع الملف وضمان عرضه على قاضي التحقيق.

تواصل معنا

نمثّل المشتكين والمتهمين أمام محاكم التحقيق والمحاكم الجزائية في بغداد وسائر المحافظات، ونحضر التحقيقات، ونعدّ الشكاوى وملفات الأدلة، ونطالب بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن الأفعال الجرمية.

إذا كنت طرفاً في قضية جزائية في العراق، تواصل مع مكتبنا، أو اطّلع على خدماتنا في القضايا الجنائية.